فلسطين الأرض والهوية

شفا عمرو.. "روما الصغرى" في قلب فلسطين

مدينة شفا عمرو في مشهد يظهر جمال المنطقة
مدينة شفا عمرو في مشهد يظهر جمال المنطقة

تلقب بـ"روما الصغرى"، فقد وضعها موقعها الاستراتيجي كنقطة التقاء سهول وجبال الجليل معا، مركزا لحكام وولاة المنطقة وخاصة الوالي ظاهر العمر الذي شيد فيها قلعته الشهيرة والأبراج. ويأخذاك الوقوف على أعلى منطقة منها إلى الغرب نحو عالم ساحر حيث يتبدى منظر البحر الأبيض المتوسط وشاطئه الممتد بين حيفا وعكا، وأما من باقي الجهات فيمكن رؤية جبال الجليل والوديان المحيطة بالمدينة. 

 

                        مدينة شفا عمرو في بداية القرن العشرين..

تقع على سبع تلال ما جعلها مركزا للمنطقة قديما وحتى اليوم، ويمكن من خلالها مشاهدة المناطق المحيطة بها، بسبب ارتفاعها الكبير، وتضم المدينة عددا من المواقع التاريخية القديمة، منها: قلعة شفا عمرو أو الظاهر عمرو، ومقابر بيزنطية، وكنيسة، والسوق القديم، والكنيس، إضافة إلى برج واحد ما زال قائما إلى يومنا هذا من أصل أربعة أبراج بنيت قديما. 

وتبعد مدينة شفا عمرو عن شواطئ البحر الأبيض المتوسط نحو 8 كيلومترات، وتبعد نحو 20 كيلومترا عن المدن الفلسطينية الكبرى، حيفا وعكا والناصرة، ما يعد ميزة ويتيح لأبناء شفا عمرو فرص عمل متعددة. 

وبحسب الآثار التي عثر عليها فإن تاريخ شفا عمرو يعود إلى ما قبل الميلاد بكثير، ويؤكد المؤرخون أن الكنعانيين كانوا ضمن القبائل التي سكنتها. 

ويرجع كثيرون تسمية المدينة إلى قصة القائد الإسلامي عمرو بن العاص الذي كان مريضا، وعندما مر بها شرب من نبعها المسمى "عين عافية" فشفي من مرضه، فصاح جنوده "شفي عمرو"، ومن هنا جاءت التسمية. رغم وجود روايات أخرى تعطي أسبابا عديدة لهذه التسمية. 
 
وفي فترة الاحتلال الصليبي كانت شفا عمرو بلدة صغيره وقد دعاها الصليبيون "سفران" وهو تشويه لاسمها القديم. واتخذ المسلمون شفا عمرو قاعدة في حروبهم ضد الصليبيين، إذ يروي الجغرافي المشهور عبد الله ياقوت: "هذه قرية كبيرة... فيها حط صلاح الدين يوسف بن أيوب عام 586 هـ (1190م) لمحاربة الصليبيين في عكا". 

ونظرا لأهمية موقعها فقد اتخذها صلاح الدين الأيوبي مركزا لإقامته في المنطقة عام 1191م. وكانت تشتهر آنذاك بكثرة أخشابها، والغابات المحيطة بها وبجهوده عنها، والكروم المنتشرة على منحدرات التلال القريبة. 

وفي منتصف القرن الثامن عشر أقام ظاهر العمر الزيداني فيها لمدة 6 سنوات ما بين عامي 1751 و1757 ثم استولى على عكا والجليل واستقل عن الأتراك واتخذها مقرا له، فأعطى شفا عمرو لابنه عثمان ليكون واليا عليها وعلى ضواحيها فكانت مركزا لحكمه. وأراد عثمان أن يقوي البلدة وأن يحصنها ليحافظ على أمنها فبنى قلعته الشهيرة وأقام الأبراج حولها.
 
لم يدم حكم ظاهر العمر طويلا إذ أرسلت قوات عسكريه تركية إلى منطقته وبعد المعركة في عكا التي قتل فيها العمر عين أحمد باشا الجزار حاكما لعكا وقضائها حتى لبنان المجاورة ومن ضمنها شفا عمرو. وبعد وفاة الجزار عام 1804 خلفه سليمان باشا حتى عام 1818. 

في عهد الأتراك كانت شفا عمرو مركز لواء لها حاكم تركي سمي المدير وقد كانت تحت إمرته نحو 28 قرية من حولها. 

وبعد النكبة في عام 1948 أصبحت المدينة مركزاً لفلسطينيي 48 ومكانا رئيسا لالتقائهم نظرا لأن غالبية سكانها كانوا من العرب. 

لم يهاجر إلا القليل من سكانها العرب عندما احتلت عام 1948. وعلى العكس من ذلك فقد نزح إلى المدينة بعض سكان القرى العربية المجاورة، واستقر فيها عدد من البدو المتجولين. وزاد عدد السكان زيادة واضحة خلال ربع القرن الماضي، ويقدر عدد سكان مدينة شفا عمرو بنحو 40 ألف نسمة، يشكل المسلمون 57.3% منهم، بينما يأتي المسيحيون في المرتبة الثانية بنسبة تقدر بنحو27.5%، في حين يشكل الدروز 14.6%. 

وتطورت المدينة عمرانيا بامتداد مبانيها وتعدد طوابقها، وازدياد نسبة الحديث منها، وفتح الشوارع الجديدة التي تربط بين الأحياء. 

 

                             طاحونة الراهب في شفا عمرو

وتحيي شفا عمرو سنويا ذكرى مجزرة وقعت في عام 2005، بينما كانت حافلة محملة بركاب فلسطينيي 48، وتسير في مدينة شفا عمرو، وكان من بين الركاب جندي إسرائيلي، يدعى نتان زادة، بدأ بإطلاق النار على ركاب الحافلة، ما أدى إلى مقتل 4 فلسطينيين من مدينة شفا عمرو، وإصابة 15 آخرين. 

وعندما نفدت ذخيرة الجندي، قامت مجموعة من الشبان الفلسطينيين بمهاجمته، وانهالوا عليه بالضرب المبرح دفاعا عن أنفسهم، ما تسبب في مقتل الجندي.
 
واعتقلت السلطات الإسرائيلية 12 شابا، خمسة تم اتهامهم بالاعتداء على الشرطة، وسبعة كانوا متهمين بمقتل زادة وقبعوا في السجون لمدة تتراوح بين سنة ونصف السنة وسنتين. 

المصادر 

ـ أنيس صايغ، بلدانية فلسطين (1948 – 1967)، 1968.     
ـ شفا عمرو (مدينة)، الموسوعة الفلسطينية، 3/8/2014.  
ـ شفا عمرو، الجزيرة نت، 17/11/2014. 
ـ أين تقع شفا عمرو، موقع موضوع ،26/12/2021. 
ـ شفا عمرو.. مدينة فلسطينية حاضرةٌ تختصر التاريخ، موقع العهد الإخباري،11/1/2022.  
ـ ناهد درباس، فلسطينيو الداخل يحيون الذكرى الـ14 لمجزرة شفا عمرو: "الجرح ما زال ينزف"، العربي الجديد، 5/8/2019


النقاش (0)
الأكثر قراءة اليوم